اخبار كل الصحف

مونديال 2026 تحت الضغوط

‏جمانة الشامي 


‏في السياسة قاعدةٌ قديمة تقول إن القوة لا تُقاس بما تفعله في الخفاء، بل بما تسمح لنفسها بفعله في العلن. ومونديال 2026 قدّم للقاعدة شاهداً لا يحتاج إلى محلّلين: رئيس أكبر دولة في العالم يتصل برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم بشأن عقوبة لاعبٍ من منتخب بلاده، فتُلغى العقوبة، ثم يتباهى المتصل علناً بأنه صحّح “ظلماً كبيراً”، ويرى المُتَّصَل به أن الأمر لا يستدعي حتى التبرير، فالحديث مع الرؤساء، كما قال، من طبيعة عمله.

‏لم يعترض أحدٌ على صحة الرواية، لأن أبطالها هم مَن رووها. والمفارقة أن المنظمة نفسها التي رفعت سماعة الهاتف كانت قد جمّدت في السنوات الماضية اتحاداتٍ أفريقية وآسيوية بأكملها بتهمةٍ اسمها “التدخل الحكومي”. يبدو أن التدخل الحكومي، في قاموس المنظمات الدولية، جريمةٌ تُعرَّف بجواز سفر صاحبها: محظورٌ على حكومات الجنوب، مباحٌ لمن يملك المفاتيح. وقبل المكالمة بأشهر، كان رئيس المنظمة قد ابتكر جائزةً للسلام لا وجود لها في لوائحه، لتُمنح لضيفٍ واحدٍ فاتته نسختها الأصلية في أوسلو. حين تُخترع الجوائز على المقاس، لا يعود السؤال عن استقلالية القرار سؤالاً مشاغباً، بل سؤالاً بديهياً.

‏وليست السياسة وحدها في هذه القصة؛ فالمال شريكها الصامت. بطولةٌ تُدرّ عشرات المليارات من حقوق البث والرعاية لا تنظر إلى نجومها الكبار بوصفهم لاعبين فحسب، بل أصولاً تجاريةً تُبنى عليها الحملات وتُباع بها الإعلانات. وبقاء الأسماء الكبرى في الأدوار المتقدمة ليس رغبةً جماهيريةً بريئة فقط، بل مصلحةٌ ماليةٌ مباشرة لمنظومةٍ كاملة من الشاشات والرعاة. لا يحتاج المرء إلى نظرية مؤامرة ليقلق من هذا التقاطع؛ يكفي أن يعرف كيف يعمل رأس المال يجاور صاحب القرار في المقصورة نفسها.

‏المصدر/ الرياض

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى