اخبار كل الصحف

الإعلام السعودي في عصر الذكاء الاصطناعي

بين الابتكار والحفاظ على الهوية المهنية

صحيفة كل الصحف

بقلم
أسيل بنت علي آل الصقر

تشير التوجهات الحديثة في صناعة الإعلام إلى تحول جذري تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت تلعب دورًا محوريًا في إعادة تشكيل آليات إنتاج الأخبار وتوزيعها. ومن المتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوابة رئيسية للوصول إلى المحتوى الإخباري، مما يقلل الاعتماد على المواقع التقليدية ويسرّع إنتاج الأخبار الروتينية في المجالات الاقتصادية والرياضية والعاجلة وغيرها
تواكب المملكة العربية السعودية هذا التحول بفعالية واضحة فقد أشارت الدراسات إلى ظهور أدوار هجينة مثل «الصحفي المبرمج»، وهو الصحفي الذي يجمع بين المهارات الصحفية التقليدية والقدرة على استخدام الأدوات البرمجية وتحليل البيانات ويرتبط ذلك بمفهوم «التفكير الحسابي» الذي يعتمد على تفكيك المشكلات المعقدة والتعرف على الأنماط، مما يؤدي إلى بناء خطوات منهجية لاستخراج قصص صحفية مدعومة بالأدلة
وفي الإعلام السعودي، يتجلى ذلك عمليًا من خلال مبادرة «معسكر الابتكار الإعلامي السعودي (Saudi MIB)» التي أطلقتها وزارة الإعلام بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) بهدف تدريب جيل جديد من الصحفيين والمبدعين على أدوات الذكاء الاصطناعي في جمع البيانات آليًا، وتحليلها، واكتشاف المحتوى المضلل مثل الـDeepfakes، مع التركيز على إنتاج محتوى ذكي يعكس الهوية الوطنية، كما صدرت أيضا «وثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام» التي توفر إطارًا أخلاقيًا يرتكز على الشفافية والمصداقية وحماية الخصوصية ويؤكد هذا التحول أن الدور البشري في الصحافة يظل جوهريًا، خاصة في التحقق من المعلومات، وتقديم السياق، والتحليل العميق، والسرد العاطفي.
ومن هنا، أرى أنه لا يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بشكل كلي، فهو أداة مساعدة قوية تسرّع بعض المهام، وتنظم البيانات، وتولد مسودات أولية، لكنه لا يمتلك الحس الصحفي الإنساني ولا يستطيع فهم العمق العاطفي والسياقي.
لقد أظهرت دراسة حديثة في جامعة كانساس أن معرفة القارئ بأن الخبر أُنتج بمساعدة الذكاء الاصطناعي قد تقلل من درجة المصداقية التي يمنحها له، حتى لو كانت المعلومات دقيقة. كما تؤكد دراسات أخرى أن الذكاء الاصطناعي يعزز العمل الصحفي بدلاً من استبداله، بشرط تعزيز «محو الأمية الرقمية» لدى الصحفيين
ويبرز الباحث دينسر أهمية استمرار العنصر البشري في فهم المشاعر وسرد القصص العاطفية، بينما يدعو الباحث دياكوبولوس (2015، 2019) إلى تعزيز الشفافية لمواجهة مشكلة «الصندوق الأسود» في الخوارزميات، كما فعلت وكالة أسوشيتد برس (AP) بوضع علامات توضيحية.
وتأتي أهمية تطوير التعليم الصحفي متماشية مع نظرية «الذكاء الناجح» لروبرت ستيرنبرغ، القائمة على الذكاء التحليلي والإبداعي والعملي. فهذه النظرية تعد أداة قوية لتعزيز التفكير النقدي والإبداعي، وتساهم في تمكين الشباب السعودي ليصبحوا قادرين على التعامل مع التحولات الرقمية بفعالية
ويبرز هنا دور المؤتمر الدولي العاشر للجمعية السعودية للإعلام والاتصال، بعنوان «إعلام الذكاء الاصطناعي.. الفرص والتحديات»، الذي عقد في الرياض يومي 7 و8 أبريل 2026، متزامنا مع اختيار 2026 عام الذكاء الاصطناعي، كمحطة مهمة في هذا التوجه الوطني.
و أكد رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للإعلام والاتصال، الدكتور علي ضميان العنزي في هذا الخصوص: «أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا محوريًا في الإعلام، مما يستدعي فهمه وتوظيفه بفعالية بما يتماشى مع رؤية 2030». كما أكد رئيس اللجنة الإعلامية للمؤتمر، الدكتور تركي العيار: «إن الطلاب والكوادر الإعلامية الشابة أصبحوا شركاء فاعلين في إنتاج المعرفة وتطويرها من خلال توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي»، مشددًا على أن مواكبة هذه التقنيات أصبحت ضرورة ملحة.
وعلى صعيد الرؤى المستقبلية، أكد المؤتمر أن الإبداع أصبح عنصرًا أساسيًا في تطوير التعليم والإعلام، مع أهمية دعم المواهب وتنمية المهارات، إلى جانب دور التعليم الإلكتروني في تعزيز الإبداع في العصر الرقمي. وتتوافق هذه التوجهات مع ما أظهره التقرير السنوي لرؤية المملكة العربية السعودية 2030، الذي يعكس تقدمًا ملحوظًا في قطاع الإعلام من خلال دعم المبادرات الإبداعية وتمكين الكفاءات الوطنية وتطوير البنية الرقمية.فالمملكة تسعى إلى بناء نموذج إعلامي حديث قائم على الابتكار والتكامل بين الإنسان والتقنية، من خلال الاستثمار في تطوير القدرات البشرية عبر برامج تدريبية متخصصة وتعزيز الشراكات بين المؤسسات الإعلامية والجهات الأكاديمية والتقنية، و يعكس التقدم في مؤشرات الأداء قدرة المملكة على الانتقال من «مرحلة التبني» إلى «مرحلة التمكين» الفعلي للتقنيات الحديثة، وهذا مما يؤكد أن التحول الإعلامي يتم ضمن إطار استراتيجي منظم يوازن بين التطور التقني والحفاظ على الهوية الثقافية والقيم المهنية ويبرز البعد الأخلاقي بوصفه عنصرًا أساسيًا في هذا التحول، حيث تحرص المملكة على ترسيخ معايير الشفافية والمصداقية في ظل التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، مما يعزز ثقة الجمهور ويحد من تحديات المعلومات المضللة وغموض الخوارزميات.
وبناء عليه، يشهد الإعلام السعودي تحولًا نوعيًا يتجاوز مجرد التحديث التقني ليصل إلى إعادة تعريف دور الإعلامي نفسه بوصفه فاعلًا رقميًا يجمع بين المهارة التقنية والرؤية النقدية، مما يعزز قدرة الإعلام الوطني على المنافسة والتأثير في المشهد الإعلامي العالمي
وفي ختام مؤتمر إعلام الذكاءالاصطناعي ..الفرص والتحديات، أكدت التوصيات على ضرورة الاستثمار في إعلام الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على دور العقل البشري في الجوانب التي تتطلب حسًا نقديًا وأخلاقيًا وبذلك يتجه مستقبل الإعلام نحو نموذج تكاملي يجمع بين كفاءة التقنية وعمق الإبداع الإنساني، حيث تتقاطع كفاءة التقنية مع الفهم الإنساني لتشكيل إعلام أكثر دقة وتأثيرًا في عالم سريع التغير.

راشد عثمان

*خريج جامعة القاهرة. *صحفي في جريدة الرياض منذ أكثر من 22 عاما. *عمل مستشارا إعلاميا في العديد من القطاعات. أشرف على إدارة وسائل التواصل الاجتماعي في القطاع الحكومي والخاص. * مفوض تنمية قدرات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى