اخبار كل الصحف

أطياف حوطة بني تميم

قلعة الإمام تركي بن عبد الله – رحمه الله في الحلوة

رحلة إعلامية بين التاريخ والطبيعة والإنسان

بقلم/ راشد بن عثمان السكران

حين وطئت قدماي أرض “حوطة بني تميم” للمرة الأولى، شعرت أنني لا أعبر حدود محافظة فحسب، بل أدخل إلى صفحة مضيئة من صفحات الوطن؛ صفحة تمتزج فيها أصالة التاريخ بجمال الطبيعة، ويصوغ الإنسان ملامحها بكرمه وطيب خصاله، حتى يبدو المكان وكأنه حكاية قديمة ما زالت نابضة بالحياة.

هناك، يتباطأ الزمن قليلًا، ليمنح الزائر فرصة تأمل التفاصيل؛ الجبال الممتدة، والنخيل الباسق، والمجالس العامرة، والأحاديث التي تحفظ ذاكرة المكان جيلاً بعد جيل.

وفي كل زاوية من زوايا المحافظة، تشعر أن للتاريخ حضورًا هادئًا لا يغيب، وأن للمكان روحًا تستقبل العابرين بألفةٍ نادرة.

تملكني هذا الشعور عندما تشرفت بزيارة المحافظة ضمن وفد إعلامي ضم نخبة من الزملاء والقيادات، في برنامج ثري كشف لنا عن صورة مشرقة من صور التنمية السعودية، حيث تتجاور العناية بالموروث مع الحراك التنموي، وتلتقي الطبيعة بالثقافة في مشهد يعكس عمق الإنسان السعودي وارتباطه بأرضه وتاريخه.

“حفاوة فطرية”
ومنذ لحظة وصولنا ظهرًا، بدا واضحًا أننا أمام مجتمع يتقن معنى الضيافة بفطرته. كان الاستقبال صادقًا، والابتسامات عفوية، والوجوه تحمل دفئًا يشعر الزائر بأنه بين أهله، لا في مكان يراه للمرة الأولى. وتلك ميزة لا يصنعها التكلف، بل يولدها صفاء النفوس وأصالة الناس.

زيارة “متحف الأستاذ سعد السليم”

وبعد صلاة العصر، بدأت جولتنا بزيارة “متحف الأستاذ سعد السليم”، مكان يحتفظ بذاكرة المنطقة وتفاصيل حياتها القديمة، بما يضمه من مقتنيات وصور وأدوات تحكي جانبًا من حياة الأجداد وبساطة معيشتهم. كان المتحف أشبه بسردية مفتوحة عن الإنسان الذي صنع ملامح هذه المحافظة بصبره وكفاحه وارتباطه بالأرض.

ثم اتجهنا إلى “قلعة الإمام تركي بن عبد الله” – رحمه الله، في الحلوة، حيث يستحضر المكان شيئًا من تاريخ الدولة السعودية الأولى، قبل أن نواصل جولتنا إلى “سوق طويق الشعبي”، الذي بدا أكثر من مجرد سوق تقليدي؛ إذ تتجاور فيه الحرف القديمة مع ذاكرة المكان، وتمتزج رائحة الماضي بأصوات الحياة اليومية، في مشهد يمنح الزائر إحساسًا حيًا بأصالة المجتمع واعتزازه بموروثه.

“معانقة الطبيعة”
وفي جانب آخر من الرحلة، وقفنا عند “سد حوطة بني تميم”، أحد المشاريع التي تعكس اهتمام الدولة – أيدها الله – بتعزيز الموارد المائية ودعم البنية التحتية. وهناك تتجلى صورة التنمية السعودية بوصفها مشروعًا مستمرًا يضع الإنسان والمكان في قلب الرؤية، ويحول الموارد إلى عناصر فاعلة في صناعة الاستقرار والحياة.

أما الطبيعة، فقد كان لها حضورها الآسر في “محمية الشعبة”، حيث تتناغم التضاريس والنباتات والمشاهد الفطرية في لوحة تخطف التأمل.

الوفد الإعلامي زار سوق طويق

وفي ذلك الهدوء الممتد، يشعر الزائر أن جمال المكان لا يحتاج إلى كثير من الوصف، بل يكفي أن يقف متأملًا ليدرك كم تختزن هذه الأرض من سكينة ودهشة.

ولأن الصورة لا تكتمل دون الإنسان، فقد كان للمجالس نصيب من هذه الرحلة؛ حين تشرفنا بدعوة كريمة في المجلس العامر للدكتور محمد بن إبراهيم التميمي، في أمسية اتسمت بالدفء والمحبة، وتبادلنا خلالها أحاديث ثقافية وتاريخية حول المحافظة ومكانتها الاجتماعية والتراثية، في صورة تعكس ما يتميز به المجتمع السعودي من تلاحم ووفاء للموروث وإكرام للضيف.

كما اختتمت الزيارة بمأدبة عشاء أقامها مشكورًا الأستاذ فهد السميح في مزرعته، في مشهد جسّد كرم الريف السعودي وأصالته، حيث لم تكن الضيافة مجرد طعام يُقدَّم، بل مشاعر صادقة وأحاديث ودودة صنعت للزيارة معنى يبقى في الذاكرة.

وفي ختام ذلك اليوم الحافل، ودعت المحتفين بنا وكافة أعضاء الوفد، وغادرت “حوطة بني تميم” وأنا أحمل تقديرًا عميقًا لهذا المكان الذي جمع في يوم واحد بين التاريخ والطبيعة والتنمية والإنسان. وأيقنت أن بعض الأماكن لا تنتهي زيارتها بمغادرتها، بل تبقى حاضرة في الوجدان، تستدعيك كلما اشتقت إلى البساطة والأصالة وصورة الوطن في أجمل تجلياتها.

وقفة
قد لا تسعف الحروف في نقل كل ما اختزنته الذاكرة من مشاهد ومواقف خلال هذه الرحلة، لكن ما يبقى ثابتًا هو الامتنان لكل من أسهم في إنجاح هذه الزيارة، ولكل أهالي “حوطة بني تميم” الذين جعلوا من الحفاوة رسالة محبة لا تُنسى.

وستظل هذه الرحلة واحدة من الذكريات الجميلة التي تبقى حيّة في القلب، تمامًا كما تبقى القصائد الصادقة عصية على النسيان.

صورة جماعية في منزل د. محمد بن إبراهيم التميمي

راشد عثمان

*خريج جامعة القاهرة. *صحفي في جريدة الرياض منذ أكثر من 22 عاما. *عمل مستشارا إعلاميا في العديد من القطاعات. أشرف على إدارة وسائل التواصل الاجتماعي في القطاع الحكومي والخاص. * مفوض تنمية قدرات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى