التحول الرقمي يعيد تشكيل الثقافة

تقرير – راشد السكران
تشهد المملكة العربية السعودية تحوّلاً ثقافياً عميقاً ومتسارعاً، تقوده جملة من العوامل المتداخلة في مقدمتها التحول الرقمي، واتساع استخدام الإنترنت، وصعود جيل جديد نشأ في بيئة رقمية مفتوحة.
وهذا الجيل لم يعد يتعامل مع الثقافة بوصفها إرثاً يُتلقّى، بل باعتبارها مساحة تفاعلية يُعاد تشكيلها باستمرار عبر المنصات الرقمية. ومع تسارع وتيرة هذا التحول، لم تعد الثقافة في مفهومها التقليدي المرتبط بالكتاب أو الندوة أو النخبة قادرة على احتواء المشهد بأكمله، بل باتت جزءاً من منظومة أوسع تُدار عبر الخوارزميات، ويؤثر فيها “الترند” بقدر ما تؤثر فيها المؤسسات.
إن هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لرؤية المملكة 2030، التي أعادت تعريف الثقافة بوصفها قطاعاً تنموياً واستثمارياً، وليس مجرد نشاط نخبوي.
ومع هذا التوجه، تزايد حضور الثقافة في الفضاء العام، سواء عبر الفعاليات أو المنصات أو الصناعات الإبداعية.
إلا أن ما يميز المرحلة الراهنة هو انتقال مركز الثقل من الإنتاج الرسمي إلى الإنتاج المجتمعي، حيث أصبح الفرد وليس المؤسسة لاعباً رئيسياً في تشكيل الذائقة العامة.
ومن هنا تبرز أهمية قراءة هذه التحولات ليس فقط بوصفها تغيرات تقنية، بل بوصفها إعادة تشكيل عميقة للوعي الاجتماعي، وأنماط التلقي، وأدوات التعبير. فالثقافة اليوم لم تعد تُبنى في قاعات مغلقة، بل في فضاءات مفتوحة تتقاطع فيها الآراء، وتتسارع فيها الأحكام، وتتبدل فيها القيم بوتيرة غير مسبوقة.
«جيل رقمي»
ويمثل الجيل الرقمي في المملكة حالة فريدة من التحول الثقافي، إذ نشأ في بيئة تختلف جذرياً عن تلك التي شكّلت وعي الأجيال السابقة.
ولم يعد هذا الجيل يتلقى المعرفة من مصادر محدودة أو عبر قنوات تقليدية، بل يعيش في فضاء مفتوح تتدفق فيه المعلومات بلا حدود.
وهذا الواقع خلق نمطاً جديداً من التفكير، يتسم بالسرعة، والتعدد، والانتقائية، حيث لم تعد الحقيقة واحدة، ولا المرجعية ثابتة، بل أصبحت خاضعة للتجربة الفردية، ومبنية على ما يختاره الفرد من محتوى وما يمرّ عليه من تجارب رقمية متباينة ومتسارعة.
وأحد أبرز ملامح هذا الجيل هو اعتماده الكبير على الوسائط البصرية، حيث أصبحت الصورة والفيديو القصير الوسيلة الأكثر تأثيراً في نقل الأفكار.
وهذا التحول لم يؤثر فقط في طريقة الاستهلاك، بل في طريقة الإنتاج أيضاً، إذ باتت الثقافة تُختصر أحياناً في مقطع لا يتجاوز دقيقة، يحمل فكرة مكثفة وسريعة الانتشار. كما أن هذا الجيل يميل إلى التفاعل أكثر من التلقي، فهو لا يكتفي بالمشاهدة، بل يعلّق ويشارك ويعيد الإنتاج، ما يجعله شريكاً في صناعة المحتوى لا مجرد متلقٍ له، بل صانعاً وموجهاً لمسار النقاش العام في كثير من الأحيان.
وهذا التغيير أدى إلى تفكيك مفهوم «النخبة الثقافية»، حيث لم يعد التأثير حكراً على الأكاديميين أو الكتّاب، بل أصبح متاحاً لأي فرد يمتلك القدرة على جذب الانتباه.
وفي المقابل، أوجد هذا الواقع تحديات تتعلق بسطحية بعض المحتويات، وسرعة الحكم، وضعف التحقق من المعلومات.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن هذا الجيل أسهم في جعل الثقافة أكثر انفتاحاً وشمولاً، إذ أصبحت متاحة لشرائح أوسع من المجتمع، وتجاوزت الحواجز التقليدية، ما أتاح فرصاً غير مسبوقة للتعبير الفردي وإبراز المواهب في مختلف المجالات.
«صناعة التأثير»
ولقد أصبحت المنصات الرقمية في المملكة لاعباً محورياً في تشكيل الثقافة، حيث لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى بيئات متكاملة تنتج وتعيد إنتاج المعنى. فالخوارزميات التي تدير هذه المنصات لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تحدد ما يُرى وما يُخفى، بناءً على تفضيلات المستخدم وسلوكياته.
وهذا يعني أن الثقافة لم تعد تُعرض بشكل محايد، بل تُشكَّل وفق معايير رقمية قد لا تكون ظاهرة للمستخدم، بل تعمل في الخفاء لتوجيه اختياراته وتعزيز أنماط معينة من التفكير والتفاعل، دون أن يشعر بذلك بشكل مباشر.
وهذا التحول منح المنصات قدرة هائلة على توجيه الاهتمامات، حيث يمكن لموضوع بسيط أن يتحول إلى قضية رأي عام خلال ساعات، إذا ما تبنته المنصة ودفعته إلى واجهة «الترند».
وفي هذا السياق، برز دور «المؤثرين» بوصفهم وسطاء جدد بين المحتوى والجمهور، حيث يمتلكون القدرة على تشكيل الذائقة، وتوجيه النقاش، بل وحتى التأثير في القرارات الاستهلاكية والثقافية، مستفيدين من الثقة التي يبنونها مع متابعيهم، ومن قدرتهم على تقديم المحتوى بأسلوب قريب ومباشر يلامس اهتمامات الجمهور اليومية.
ومن اللافت أن هذه المنصات أعادت تعريف مفهوم «القيمة الثقافية»، حيث لم يعد العمق أو الجودة هما المعيار الوحيد، بل أصبح الانتشار والتفاعل مؤشرين أساسيين للنجاح. وهذا ما أدى إلى صعود محتويات سريعة وخفيفة، مقابل تراجع نسبي للمحتوى العميق الذي يتطلب وقتاً وتركيزاً.
ومع ذلك، فإن هذه البيئة الرقمية أتاحت أيضاً فرصاً كبيرة للمبدعين، حيث يمكن لأي موهبة أن تصل إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى وساطة مؤسسية، كما أسهمت في كسر الحواجز الجغرافية، وفتح المجال أمام التبادل الثقافي، وتعزيز حضور المحتوى المحلي في فضاء عالمي واسع ومتنوع.
«تحولات ملحوظة»
وأحدثت المنصات الرقمية تحوّلاً ملحوظاً في الذائقة العامة داخل المجتمع السعودي، حيث أصبح الجمهور أكثر ميلاً إلى المحتوى السريع والمباشر. وهذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة طبيعية لطبيعة المنصات التي تقوم على التمرير السريع، والتفاعل اللحظي، والمكافأة الفورية عبر الإعجابات والمشاركات.
ومع الوقت، تشكّلت لدى المستخدمين عادات جديدة في التلقي، تقوم على الانتقاء السريع، والانطباع الأول، أكثر من التحليل والتأمل، الأمر الذي أسهم في تقليص زمن التركيز، وجعل المتلقي يبحث عن الفكرة المختصرة التي تصل إليه بأقل جهد وأسرع وقت ممكن.
وقد انعكس ذلك على طبيعة الإنتاج الثقافي، حيث أصبح كثير من صُنّاع المحتوى يفضّلون تقديم أفكار مختصرة، تركز على الإثارة أو المفارقة، لضمان الانتشار.
وفي المقابل، تراجع الإقبال على المحتويات الطويلة أو المعمقة، إلا في نطاقات محدودة. وهذا لا يعني بالضرورة تدهور الذائقة، بل تحولها إلى نمط مختلف، يتناسب مع إيقاع الحياة الحديثة، التي تتسم بالتسارع وكثرة الانشغالات، وتعدد مصادر المعرفة في الوقت ذاته.
كما برزت ظاهرة «الشعبية مقابل الجودة»، حيث قد يحظى محتوى بسيط بانتشار واسع، في حين يبقى محتوى أكثر عمقاً في دائرة ضيقة.
وهذا الواقع يطرح تساؤلات حول مستقبل الثقافة، ودور المؤسسات في الحفاظ على التوازن بين الانتشار والقيمة. ومع ذلك، فإن الذائقة العامة لا تزال قابلة للتشكيل، خاصة إذا ما تم تقديم محتوى يجمع بين الجاذبية والعمق، وهو ما بدأت بعض المبادرات الثقافية في تحقيقه، من خلال تقديم محتوى مبسط في شكله، عميق في مضمونه، قادر على جذب الجمهور دون التفريط في القيمة المعرفية، بما يسهم في إعادة بناء العلاقة بين المتلقي والمحتوى الثقافي على أسس أكثر توازناً واستدامة.
«انفتاح رقمي»
وأدى الانفتاح الرقمي إلى إعادة تشكيل الهوية الثقافية في المملكة، حيث أصبح الفرد يتعرض يومياً لمزيج واسع من الثقافات العالمية، عبر المنصات المختلفة.
وهذا التفاعل المستمر خلق نوعاً من الهوية المركبة، التي تجمع بين المحلي والعالمي، وتعيد تعريف الانتماء الثقافي بطريقة أكثر مرونة، بحيث لم يعد الانتماء ثابتاً أو أحادي الاتجاه، بل بات يتشكل عبر تفاعل مستمر مع محتويات متعددة ومتنوعة، تتقاطع فيها القيم والعادات والرؤى.
في هذا السياق، لم تعد الهوية تُبنى فقط على الموروث، بل على التفاعل مع الآخر، واختيار ما يتناسب مع القيم الشخصية.
وقد أسهم ذلك في تعزيز الانفتاح، وتوسيع الأفق الثقافي، خاصة لدى الشباب، الذين أصبحوا أكثر قدرة على المقارنة والانتقاء، وأكثر وعياً بتنوع الثقافات واختلافها.
إلا أن هذا الانفتاح يطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق بالحفاظ على الخصوصية الثقافية، وتجنب الذوبان في أنماط مستوردة، قد لا تنسجم بالضرورة مع السياق المحلي أو القيم المجتمعية الراسخة.
ومن الملاحظ أن المجتمع السعودي أظهر قدرة على التوازن بين الانفتاح والتمسك بالجذور، حيث لا تزال القيم الأساسية حاضرة بقوة، رغم التغيرات السريعة.
كما أن المؤسسات الثقافية تعمل على تعزيز هذا التوازن، من خلال دعم المحتوى المحلي، وإبراز الهوية الوطنية في الفضاء الرقمي، وتشجيع المبادرات التي تعكس العمق الثقافي للمجتمع.
إضافة إلى ذلك، برز دور الأسرة والتعليم في ترسيخ القيم، ومساعدة الأفراد على التعامل الواعي مع هذا الانفتاح.
وبالتالي، فإن التحول الرقمي لم يُلغِ الهوية، بل أعاد تشكيلها في قالب أكثر تنوعاً ومرونة، يجمع بين الأصالة والتجديد، ويعكس قدرة المجتمع على التكيف مع المتغيرات دون فقدان جوهره الثقافي.
«تحديات وفرص»
وانعكست هذه التحولات بشكل واضح على المشهد الثقافي في المملكة، حيث أصبح أكثر تنوعاً وحيوية، لكنه في الوقت ذاته أكثر تعقيداً.
فقد برزت فئات جديدة من الفاعلين الثقافيين، مثل صُنّاع المحتوى، الذين ينافسون المؤسسات التقليدية في التأثير.
كما تغيرت طبيعة الفعاليات الثقافية، التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الحضور الرقمي، إلى جانب الحضور الميداني، ما أتاح وصولاً أوسع للجمهور، ومكّن فئات لم تكن قريبة من المشهد الثقافي سابقاً من المشاركة والتفاعل.
وهذا التحول أسهم أيضاً في تسريع تداول الأفكار، وتوسيع دائرة النقاش حول القضايا الثقافية المختلفة.
ومن جهة أخرى، أسهم هذا التحول في نمو الصناعات الإبداعية، مثل الإنتاج الرقمي، والتصميم، وصناعة المحتوى، ما جعل الثقافة جزءاً من الاقتصاد الوطني. وهذا يتماشى مع توجهات رؤية 2030، التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل، وتعزيز القطاعات غير النفطية.
كما ساعدت هذه التحولات في بروز فرص وظيفية جديدة، وفتح مجالات عمل غير تقليدية أمام الشباب، الأمر الذي عزز من حضور الثقافة بوصفها مجالاً منتجاً وليس ترفاً فكرياً فقط.
إلا أن هذا المشهد يواجه تحديات تتعلق بالجودة، والموثوقية، والتنظيم، خاصة في ظل الكم الهائل من المحتوى.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير أطر تنظيمية، وبرامج دعم، تضمن استدامة هذا الحراك الثقافي، وتحافظ على توازنه، مع أهمية تعزيز الوعي النقدي لدى الجمهور، وتمكينه من التمييز بين المحتوى الجاد وغيره.
كما تبرز ضرورة الاستثمار في التدريب والتأهيل لصُنّاع المحتوى، بما يرفع من مستوى الإنتاج الثقافي ويعزز من تنافسيته.
وفي المحصلة، يمكن القول إن المملكة تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف ثقافتها، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى العالمي، من خلال نموذج يجمع بين الأصالة والتجديد، ويستفيد من أدوات العصر دون أن يفقد هويته، ويؤسس لحضور ثقافي مؤثر يمتد أثره إلى خارج الحدود.
المصدر/ الرياض




