اهم الاخبار

الحوار والتعايش مع الآخر والشموخ بالثوابت والقيم نهجٌ نبويٌ تميزت به المملكة

قبل نحو 1400 سنة استقبل النبي  عام 9هـ في مسجده بالمدينة النبوية وفداً عظيماً مهيباً من نحو 60 راكباً يتقدمهم قساوسة نصارى نجران ، وكانت معاملته  لهم معاملة مختلفة، فيها العزة، والثبات على المبادئ والقيم ، مع الحوار، والتعايش ، والاحترام ، والشفافية ، فقد روى الشيخان في صحيحيهما أن “العاقب والسيد”-وهما من مراتب رجال الدين النصارى- ، صاحبا نجران، جاءا إلى رسول الله  يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فو الله لئن كان نبياً فلاعنّاه لا نفلح نحن، ولا عقِبُنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أميناً، ولا تبعث معنا إلا أميناً. فقال « لأبعثنّ معكم رجلاً أميناً حق أمين»، فاستشرف الصحابة  فقال  :«قم يا أبا عبيدة بن الجراح» فلما قام، قال  : «هذا أمين هذه الأمة». وللحادثة روايات كثيرة في كتب السيرة والتفسير ومما وقع فيها أنهم دخلوا عليه مسجده  حين صلى العصر، عليهم ثياب مهيبة، حتى قال الصحابة  : ما رأينا وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجده  يصلون، فقال  : “دعوهم”، فصلوا إلى المشرق ، ثم ناظروا النبي  في عيسى عليه السلام وأنه إله معبود ؛ لأنه ولد من أمٍ بلا أبٍ، فأنزل الله عليه رداً عليهم (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) أي كيف تعجبون من عيسى  ولا تعجبون من آدم  ؛ فهو بلا أم ولا أب ! وقد صحح الإمام ابن القيم رواية صلاتهم في المسجد النبوي واستنبط من القصة فوائد عديدة، وأجاب الحافظ ابن رجب عن صلاتهم فيه – ولا يجيب العلماء ويخرّجون إلا عن حجةٍ معتبرةٍ لها حظٌ من النظر – أن ذلك لتأليف قلوبهم، وخشيةً لنفورهم عن الإسلام . ومن إضاءات هذه الحادثة : أن الاعتزاز بالهويةو الثبات على العقيدة والمبادئ والقيم الدينية والمكتسبات الوطنية لا يعني الغلظة والجفاء وسوء التعامل مع الآخر، ولا يتعارض مع التنزل له واللطف في مجادلته بالحجة والبرهان بالتي هي أحسن. وفيه الحِجَاج بالتاريخ والعقل والمنطق في الاستشهاد بمن سبق عيسى عليه السلام وهو آدم عليه السلام، وفيه سماحة النبي  ورحمته بأمة الدعوة، مع أنه كان القوة العظمى، إلا أنه التزم بالحوار والمجادلة بالتي هي أحسن مع الأقليات غير المسلمة التي كانت في عهده  ، والاحترام والتقدير والكرم مع المخالف في المعتقد ، والسماح له بإبداء رأيه بكل حرية ، مع بشاعة رأيهم في ادعاء الولد لله جل وعلا ، في ثاني أعظم المساجد عند المسلمين : المسجد النبوي، وبكل شفافية وموضوعية حتى في قضايا كبرى كالألوهية. ودعم القائد للشباب، واستشرافه لصفاتهم القيادية ، وتنميتها ، ومنحهم الثقة والصلاحيات ، من خلال تكليف الشاب بمهام قيادية متى ما كان أهلاً لذلك كما فعل مع أبي عُبيدة ، وأسامة بن زيد ، ومعاذ بن جبل  . لقد ضرب نبي الرحمة  أعظم نماذج التواصل والتعايش والتقبل للمخالفين له في المعتقد من غير الأعداء والمحاربين له، مع الثبات والاعتزاز بالقيم ، فتعايش مع الثقافات الأخرى سياسياً؛ حين أثنى على النجاشي ملك الحبشة النصراني ووصفه بالعدل، وأرسل بعض أصحابه إليه، واستقبل السفراء والوفود ومنحهم الأمان والإكرام. وثقافياً؛ حين أمر زيداً  أن يتعلم لغة اليهود، وانطلق زيدٌ فتعلّم لغة فارس، والحبشة. واجتماعياً؛ فكان جاره يهوديٌ ، ويخدمه غلامٌ يهوديٌ ، يدخل بيت النبوة ، يعمل ، ويطعم ، ويشرب بين أهله  بكل احترام وأمان. واقتصادياً؛ فعامل يهود خيبر تجارياً ، ومات  ودرعه مرهونةٌ عند يهودي .
ما أحوجنا اليوم لتقديم نموذج شرعي-للاقتداء لنا وللآخرين وللأجيال القادمة- فيه الاعتزاز والشموخ بالقيم والثوابت مع التسامح والتعايش والحوار بين حضارة الإسلام الخالدة والحضارات الأخرى من هدي النبي ، لا سيما مع تغييب عدد من المستشرقين وأكثر الإعلام الغربي للصورة الحقيقية لتسامح الإسلام وتعايشه مع الحضارات والثقافات الأخرى، ودعوته للحوار والسلام ، وسعي الأعداء دوماً لربطه بالإرهاب والعنف، بينما أثبت التاريخ أن رسول الإسلام  قد وضع أصول الحوار والتفاوض ومنطلقاته وأسّسَ لاحترام الأقليات المخالفة في الدين ، والتفهم والتعايش الحضاري الراقي بين البشر. وهو ما يؤكد أصالة واتزان وعمق منهج المملكة العربية السعودية في تعاملها مع الآخر ورؤيتها الطموحة التي يقودها إمامنا خادم الحرمين الشريفين ، وأكّدها سمو ولي عهده الأمين -أعزهما الله بنصره وتمكينه- في حواراته الكثيرة مع وسائل الإعلام الغربية المختلفة، والتي تمثل السيادة والشموخ بالإسلام دين الوسطية المعتدل والمنفتح على العالم، وعلى جميع الأديان والشعوب، والاعتزاز بقيمنا الوطنية ، وتقاليدنا الأصيلة، مع الحوار الراقي، والشفافية والانفتاح ، والتعايش الحضاري ، مما من شأنه الإسهام في صناعة شخصية وفكر أجيالنا القادمة، وتنمية وطننا ، والتعايش مع العالم .

د. طارق بن عودة العودة المدلج
الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى